دوبامين الاستثمار
لو سألت أي مستثمر: كم مرة تفتح منصة الاستثمار في اليوم؟
بيرد عليك وبيقول: "أتابع السوق بس."
لكن السؤال: هل تفتح التطبيق لأنك ناوي تتخذ قرار فعلًا؟ ولا لأنك تبحث عن شعور معيّن؟
في عام 1997، نشر عالم الأعصاب Wolfram Schultz واحدة من أشهر الدراسات في علم السلوك العصبي. اكتشف فيها أن الدوبامين ما يرتفع فقط عند الحصول على المكافأة، بل يرتفع أكثر لما تكون المكافأة محتملة وغير مؤكدة.
بمعنى آخر:
لو أعطيت شخصًا 100 ريال كل يوم الساعة 8 صباحًا، بيتعود عليها بسرعة.
لكن لو قلت له:
"ممكن يجيك 100 ريال اليوم، أو بكرة، أو بعد أسبوع."
فإن الدماغ يبقى في حالة ترقّب مستمرةو، وعلشان كذا تنجح:
- ألعاب الحظ
- وسائل التواصل الاجتماعي
- الإشعارات
- وأي نظام يعتمد على المكافآت غير المتوقعة
لأن العقل ما ينتظر المكافأة نفسها، بل يستمتع بترقّبها.
وهنا تبدأ علاقتنا بالاستثمار، ارتفاع مفاجئ في المحفظة، خبر اقتصادي جديد، شركة أعلنت نتائجها، سهم ارتفع 8%، عملة انخفضت 12%.
كل هذي الأحداث تحفّز نفس دائرة الترقب داخل الدماغ، ولهذا تحصل بعض المستثمرين يفتحون تطبيقاتهم عشرات المرات يوميًا حتى ولو أنهم ما عندهم نية لاتخاذ أي قرار فعلي.
الدوبامين عدو الاستثمار
المشكلة أن الدوبامين يحب الحركة، أما الاستثمار الناجح؟
فيحب العكس تمامًا .. الصبر، وهنا تجي دراسة أخرى مثيرة للاهتمام.
شركة الأبحاث الاستثمارية DALBAR تصدر منذ عقود تقريرًا يقارنون بين أداء الأسواق وأداء المستثمرين أنفسهم.
والنتيجة تتكرر بشكل شبه دائم:
السوق يحقق عوائد أعلى من متوسط المستثمر، مو لأن المستثمرين ما عندهم المعلومات، ولا لأنهم اختاروا أصول سيئة، بل لأنهم يتحركون كثير، يدخلون بعد الارتفاع، ويخرجون بعد الهبوط، ويغيّرون خططهم باستمرار.
بمعنى آخر:
الدوبامين يدفعهم للبحث عن المكافأة القادمة، بينما الاستثمار الحقيقي يكافئ اللي ينتظر.
المفارقة الجميلة أن أكثر الاستراتيجيات الاستثمارية نجاحًا عبر التاريخ هي أيضًا الأكثر مللًا.
استثمار منتظم، إيداع مستمر، وصبر.
ما فيها إثارة كبيرة، ولا قصص نجاح خلال أسبوع، ولا متابعة للأسعار كل ساعة، لكنها تاريخيًا من أكثر الطرق فعالية لبناء الثروة.
ولهذا السبب ظهر مفهوم توسيط تكلفة الشراء، بدل أنك تحاول تتوقع:
- متى تدخل السوق؟
- متى تخرج؟
- متى يرتفع؟
- ومتى ينخفض؟
تستثمر بشكل دوري ومنتظم، في الصعود، وفي الهبوط، وفي كل ما بينهما.
فتتحول القرارات من ردود فعل عاطفية، إلى وضع تلقائي.
في النهاية، يمكن أكبر خطر على المستثمر اليوم مو التضخم، ولا أسعار الفائدة، ولا حتى تقلبات الأسواق.
بل الرغبة المستمرة في اتخاذ قرار، في المتابعة، في التعديلات غير المحسوبة، في البحث عن جرعة دوبامين جديدة.
بينما الحقيقة التي أثبتتها الأسواق في كل مرة:
الثروة ما تُبنى من عدد المرات التي غيرت فيها قراراتك وخططك، بل من عدد المرات التي التزمت فيها بوضعك وخطتك.
وعلشان كذا، إذا كنت مؤمن بالاستثمار طويل المدى، فعّل الاستثمار التلقائي، واصمل بالإيداع المنتظم، وخل الوقت يعمل عمايله.
وفي الاستثمار .. البقاء للأصمل